أهم المكتبات في مراكش عبر التاريخ: رحلة من خزانة ابن يوسف إلى اليوم
التاريخ والحضارة

أهم المكتبات في مراكش عبر التاريخ: رحلة من خزانة ابن يوسف إلى اليوم

من خزانة ابن يوسف المرابطية إلى سوق الكتبيين الذي أعطى جامع الكتبية اسمه، جولة في تاريخ مراكش كمدينة علم وكتب — وكيف تواصل مكتبة الرياض اليوم هذا الإرث.

6 دقائق للقراءة14 قراءة5 غشت 2026

لطالما ارتبطت مراكش في الذهن السياحي بساحة جامع الفنا وأسواق العطارين وتجمعات الحرفيين، لكن المدينة الحمراء كانت لقرون طويلة قبل ذلك محطة علمية كبرى، تعج بالخزائن والمدارس ونساخي الكتب. في هذا المقال نأخذكم في جولة عبر أهم خزائن الكتب التي صنعت الإشعاع الفكري لمراكش، من عصر المرابطين إلى يومنا هذا.

خزانة ابن يوسف: جامعة مراكش العلمية

تُعد خزانة ابن يوسف أقدم وأهم خزانة كتب عرفتها مراكش، وتقع في قلب المدينة العتيقة قرب جامع ومدرسة ابن يوسف. تعود جذورها إلى عهد الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، حين شيّد جامع ابن يوسف كجزء من مجمع ديني وعلمي متكامل ضمّ خزانة كتب ملحقة بالمسجد.

ارتقى هذا الصرح ليعرف باسم "جامعة ابن يوسف"، على غرار جامعة القرويين بفاس، واستقطب طلبة العلم والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي للدراسة في الفقه واللغة والحديث والرياضيات والفلك. ومن أبرز الأعلام الذين ارتبطت أسماؤهم بها المؤرخ محمد الصغير الإفراني والأديب الأندلسي لسان الدين ابن الخطيب.

تضم الخزانة اليوم أكثر من 1600 عنوان مخطوط في 732 مجلداً، بالإضافة إلى أكثر من 1018 وحدة من "الخروم" (الأجزاء المخطوطة الناقصة)، وحوالي 314 وحدة من المطبوعات الحجرية المعروفة بـ"الطبعة الفاسية" — وهي من أوائل ما خرج من المطابع في المغرب. وقد تحوّلت الخزانة اليوم إلى مكتبة جهوية تابعة لشبكة القراءة العمومية، بمساحة تناهز 1800 متر مربع، ضمن مجمع ثقافي يضم أيضاً مسرحاً ومعهداً للموسيقى، لتواصل مهمتها في خدمة الباحثين وطلبة العلم.

مدرسة ابن يوسف: بيت الطلبة وحاضنة الكتاب

على مقربة من الخزانة، تنتصب مدرسة ابن يوسف، التي شيّدها السلطان المريني أبو الحسن عام 747هـ / 1346م، وتُعد من أروع تحف العمارة المغربية بصحنها المكشوف وزخارفها الجصية والخشبية الدقيقة. لم تكن المدرسة مجرد مكان لسكن الطلبة الوافدين للدراسة في جامع ابن يوسف المجاور، بل كانت حلقة أساسية في منظومة علمية متكاملة تجمع بين المسجد والمدرسة والخزانة — نموذج مغربي أصيل لما يمكن تسميته اليوم "الحرم الجامعي".

سوق الكتبيين: حين كان للكتاب سوقه الخاص

قليلون يعرفون أن جامع الكتبية، أشهر معالم مراكش وأكبر مساجدها، يدين باسمه لسوق كان قائماً بجواره يُعرف بـ"سوق الكتبيين" — سوق متخصص في بيع الكتب والمخطوطات، ضمّ في عز ازدهاره مئات الباعة، إلى جانب ورشات لنسخ المخطوطات وتجليدها. لم يكن هذا السوق مجرد فضاء تجاري، بل كان أشبه بـ"بورصة" حقيقية للمعرفة، تُعرض فيه أحدث المؤلفات وأندر النسخ، ويلتقي فيه الوراقون والعلماء وطلبة العلم لتبادل الآراء والكتب. للأسف، أُحرق هذا السوق خلال فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، لكن اسمه بقي محفوراً إلى الأبد في مئذنة الكتبية التي تتوسط سماء مراكش منذ القرن الثاني عشر.

من الخزائن التقليدية إلى مكتبات اليوم

لم تتوقف مراكش عن نسج علاقتها بالكتاب مع دخول العصر الحديث. فإلى جانب المكتبة الجهوية ابن يوسف، تحتضن المدينة اليوم مؤسسات ثقافية مثل المكتبة الوسائطية التابعة للمعهد الفرنسي، التي تنظم باستمرار لقاءات أدبية وموسمها الثقافي، إضافة إلى مكتبات عمومية وجامعية أصغر تخدم الأحياء المختلفة، وشبكة من المكتبات الخاصة وباعة الكتب المستعملة الذين يواصلون — كل بطريقته — الحفاظ على مراكش كمدينة يسكنها الكتاب.

مكتبة الرياض: امتداد لهذا التراث

حين أسسنا مكتبة الرياض في مراكش، كنا واعين أننا نضيف حلقة جديدة إلى سلسلة طويلة بدأت بخزانة ابن يوسف قبل قرون. نؤمن أن الكتاب المستعمل ليس بديلاً باهتاً عن الكتاب الجديد، بل هو استمرار لتلك الروح التي جعلت من مراكش محطة يعاد فيها تدوير المعرفة من يد إلى يد، مثلما كانت ورشات النسخ والتجليد في سوق الكتبيين تعيد إنتاج الكتاب وتنشره بين الناس.

اليوم، وبفضل خدمة الحجز السهلة عبر واتساب والتوصيل لعموم المغرب، يمكن لأي قارئ في مراكش أو خارجها أن يقتني نسخته من تراث الأدب والفكر والدين — تماماً كما كان يفعل رواد سوق الكتبيين قبل قرون. تصفحوا مجموعتنا من كتب التراث والفكر الإسلامي أو تصفحوا كامل كتبنا لتكتشفوا نصيبكم من هذا الإرث العريق.


صورة المقال: صحن مدرسة ابن يوسف بمراكش — تصوير Michal Osmenda، مرخصة بموجب CC BY-SA 2.0 عبر ويكيميديا كومنز.

#مراكش#تاريخ مراكش#خزانة ابن يوسف#مدرسة ابن يوسف#جامع الكتبية#مكتبات مراكش#التراث المغربي#المخطوطات

كتب ذات صلة بالمقال

تاريخ قبيلة الخزرج في الجاهلية وحتى نهاية عصر الخلفاء الراشدين
الأكثر طلباً
التاريخ والحضارة

تاريخ قبيلة الخزرج في الجاهلية وحتى نهاية عصر الخلفاء الراشدين

د. حمدي الجمال

25 درهم
40
الأسطورة الصهيونية والانتفاضة الفلسطينية
التاريخ والحضارة

الأسطورة الصهيونية والانتفاضة الفلسطينية

السيد يسين

15 درهم
38
مكافحة الفساد عبر التاريخ (الجزء الثاني): من العصور القديمة إلى العصر الحديث
التاريخ والحضارة

مكافحة الفساد عبر التاريخ (الجزء الثاني): من العصور القديمة إلى العصر الحديث

رونالد كروزي، أندريه فيتوريا، جي. غيلتنر، ترجمة: إيهاب عبد الرحيم علي

15 درهم
36
اليابان: رؤية جديدة (نسخة ثانية)
التاريخ والحضارة

اليابان: رؤية جديدة (نسخة ثانية)

باتريك سميث، ترجمة: سعد زهران

15 درهم
33

هل أعجبك المحتوى؟ تصفح كتبنا المختارة!