أنواع القراءة: خريطة لعالمٍ من الكلمات
التدريس وعلوم التربية

أنواع القراءة: خريطة لعالمٍ من الكلمات

من القراءة الجهرية إلى المستويات الأربعة عند مورتيمر أدلر — دليل مختصر لأنواع القراءة المختلفة، وكيف تختار الأسلوب المناسب لكل كتاب وكل هدف.

4 دقائق للقراءة3 قراءة12 يوليوز 2026

القراءة ليست فعلاً واحداً يتكرر بالطريقة نفسها في كل مرة، بل هي مجموعة مهارات وأساليب يختار القارئ من بينها بحسب النص الذي بين يديه والغاية التي يسعى إليها. فالطريقة التي نقرأ بها رواية قبل النوم تختلف جذرياً عن الطريقة التي نقرأ بها بحثاً علمياً أو نصاً قانونياً. وإدراك هذا التنوع هو أول خطوة نحو قراءة أكثر وعياً وفاعلية.

لوحة "القارئة" لجان أونوريه فراغونار، تجسّد لحظة انغماس تام في القراءة

أولاً: القراءة من حيث الأداء الصوتي

القراءة الجهرية: هي القراءة بصوتٍ مسموع، وتُستخدم غالباً في التعليم الأولي وتصحيح النطق، وفي المناسبات التي يُراد فيها إشراك الآخرين في النص، كقراءة القرآن الكريم أو إلقاء الشعر. ميزتها أنها تُنمّي مهارات النطق والتجويد، لكنها أبطأ من القراءة الصامتة وتستهلك جهداً أكبر.

القراءة الصامتة: وهي الأكثر شيوعاً بين القراء الكبار، إذ تعتمد على العين والعقل دون تحريك اللسان، مما يتيح تركيزاً أعمق وسرعة أكبر في استيعاب المعلومة. أغلب قراءتنا اليومية — للكتب والصحف والشاشات — من هذا النوع.

لوحة "امرأة تقرأ" لإيفان كرامسكوي، تمثل انغماس القارئ الصامت في عالمه الخاص

ثانياً: القراءة من حيث السرعة والعمق

القراءة السريعة (التصفحية): تهدف إلى تكوين فكرة عامة عن نص ما في أقصر وقت ممكن، عبر تصفح العناوين والفقرات الأولى والأخيرة دون التوقف عند التفاصيل. من تقنياتها الأساسية تجنّب "النطق الداخلي" الصامت لكل كلمة، وتوسيع مجال الرؤية ليلتقط العين عدة كلمات دفعة واحدة بدل كلمة كلمة. وهي مفيدة جداً عند مراجعة كتاب لتقرير ما إذا كان يستحق القراءة الكاملة، أو عند البحث عن معلومة محددة داخل نص طويل (وتُعرف حينها بـ"قراءة التمشيط" أو الكشط).

القراءة المتأنية (المتعمقة): على النقيض من السابقة، تقوم على التوقف والتأمل وإعادة القراءة عند الحاجة، وتُخصَّص للنصوص التي تستحق وقتاً وتركيزاً أكبر: الشعر، الفلسفة، النصوص الدينية، أو أي كتاب يريد القارئ استخلاص أقصى فائدة منه لا مجرد الإلمام بمضمونه.

ثالثاً: القراءة من حيث الغرض والغاية

  • القراءة الترفيهية (التذوقية): بلا هدف عملي مباشر، غايتها المتعة والاستجمام، كقراءة الروايات وأدب الرحلات.
  • القراءة الدراسية (التحصيلية): موجّهة نحو تحصيل معرفة محددة أو اجتياز امتحان، وتستلزم عادة تدويناً وتلخيصاً وإعادة مراجعة.
  • القراءة البحثية: يقوم بها الباحث لجمع مادة علمية من مصادر متعددة حول موضوع بعينه، وتتطلب مقارنة الآراء وتوثيق المصادر.
  • القراءة الناقدة: لا تكتفي بفهم ما يقوله النص، بل تُقيّم صحته وقوة حججه، وتميّز بين الحقيقة والرأي، وبين الفكرة الرئيسة والثانوية. وهي مهارة أساسية في العصر الذي تكثر فيه المعلومات المتضاربة.
  • القراءة الإبداعية: قراءة تأمّلية يقرأ فيها القارئ "ما بين السطور"، ويزن ما يقرؤه بميزان خبرته الشخصية، فيتفاعل معه ويولّد أفكاراً جديدة لم يقصدها الكاتب بالضرورة — وهي القراءة التي تُنتج كاتباً من قارئ.

لوحة "فتاة تقرأ كتاباً" لفيديريكو زاندومينيغي، تعبّر عن متعة القراءة الحرة

رابعاً: مستويات القراءة الأربعة عند مورتيمر أدلر

في كتابه المرجعي كيف تقرأ كتاباً؟ (How to Read a Book, 1940، وأُعيدت صياغته عام 1972 بالاشتراك مع تشارلز فان دورن)، يقترح الفيلسوف الأمريكي مورتيمر أدلر تصنيفاً هرمياً لأربعة مستويات من القراءة، كل مستوى يتضمن ما قبله ويضيف إليه:

  1. القراءة الابتدائية: فهم الرموز والكلمات بمعناها الحرفي المباشر — وهي ما يُتقنه معظمنا في المدرسة.
  2. القراءة الاستطلاعية (الفحصية): تصفّح الكتاب بسرعة — الفهرس، المقدمة، خلاصات الفصول — لتكوين صورة عامة عن بنيته وأفكاره الرئيسة في وقت محدود.
  3. القراءة التحليلية: قراءة معمّقة بلا قيد زمني، لا يكتفي فيها القارئ بفهم ما يقوله المؤلف، بل يُكوّن رأياً شخصياً في صحة أطروحته وقيمتها.
  4. القراءة المقارنة (الموضوعية): أرقى المستويات، وتقوم على قراءة عدة كتب حول الموضوع نفسه ومقارنة رؤاها، حتى يخرج القارئ بتحليل خاص به قد لا يوجد بحذافيره في أي من تلك الكتب.

لوحة "عالم شاب يقرأ في مكتبته" لرمبرانت، تمثل القراءة التحليلية المتعمقة

كيف تختار النوع المناسب؟

القاعدة الذهبية هي أن تحدّد هدفك قبل أن تفتح الكتاب: هل تريد المتعة، أم المعلومة، أم إتقان موضوع، أم مجرد معرفة إن كان الكتاب يستحق وقتك؟ فتحديد الغاية هو ما يوجّه العين والعقل نحو الأسلوب الأنسب، ويمنع إهدار الجهد في قراءة متأنية لما لا يستحقها، أو قراءة سريعة لما يستحق التأمل.

القارئ الماهر ليس من يجيد نوعاً واحداً من القراءة، بل من يعرف متى يبطئ ومتى يُسرع، ومتى يكتفي بالتصفح ومتى يغوص في الأعماق. وفي النهاية، تبقى القراءة — أياً كان نوعها — أقصر طريق نمتلكه لنعيش تجارب لا حصر لها، ونلتقي بعقول لم نكن لنلتقيها لولا الكتاب.

#القراءة#أنواع القراءة#مهارات القراءة#القراءة السريعة#القراءة الناقدة#مورتيمر أدلر#كيف تقرأ كتاباً#عادات القراءة

كتب ذات صلة بالمقال

رياضيات - الصف السادس الابتدائي
التدريس وعلوم التربية

رياضيات - الصف السادس الابتدائي

مناهج أوبيكان / مملكة البحرين

8 درهم
39
مقدمة في العلوم التربوية
التدريس وعلوم التربية

مقدمة في العلوم التربوية

هيئة التدريس بقسم أصول التربية — جامعة الأزهر

10 درهم
36
الحصيلة اللغوية: أهميتها - مصادرها - وسائل تنميتها
التدريس وعلوم التربية

الحصيلة اللغوية: أهميتها - مصادرها - وسائل تنميتها

د. أحمد محمد المعتوق

15 درهم
34
تربية اليسر وخلف التنمية
التدريس وعلوم التربية

تربية اليسر وخلف التنمية

د. عبد العزيز عبدالله الجلال

15 درهم
29

هل أعجبك المحتوى؟ تصفح كتبنا المختارة!